سيد محمد طنطاوي
367
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
المشركين كانوا يستمعون إلى الرسول صلى اللَّه عليه وسلم عند قراءته للقرآن . فقال : قال محمد بن إسحاق في السيرة : حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، أنه حدّث أن أبا سفيان بن حرب ، وأبا جهل بن هشام ، والأخنس بن شريق . . خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وهو يصلى بالليل في بيته ، فأخذ كل واحد منهم مجلسا يستمع فيه ، وكل لا يعلم بمكان صاحبه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا . حتى إذا جمعتهم الطريق ، تلاوموا ، وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا ، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا ، ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة التالية ، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا . حتى إذا جمعتهم الطريق ، قال بعضهم لبعض مثل ما قال أول مرة ، ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثالثة ، أخذ كل رجل منهم مجلسه . فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ، فجمعهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا . فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته ، فقال : أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد صلى اللَّه عليه وسلم ؟ فقال أبو سفيان : يا أبا ثعلبة ، واللَّه لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ما عرفت معناها . ولا ما يراد بها . فقال الأخنس : وأنا والذي حلفت به ، قال : ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل . فدخل عليه بيته فقال : يا أبا الحكم ، ما رأيك فيما سمعت من محمد صلى اللَّه عليه وسلم ؟ قال : ماذا سمعت ؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف : أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تجاثينا على الركب ، وكنا كفرسي رهان قالوا : منّا نبي يأتيه الوحي من السماء ، فمتى ندرك هذه ؟ واللَّه لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه . قال : فقام عنه الأخنس وتركه « 1 » . ثم حكى - سبحانه - أقوالهم الباطلة ، في شأن البعث والحساب يوم القيامة ورد عليها بما يزهق باطلهم ، فقال - تعالى - :
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 5 ص 81 طبعة دار الشعب - القاهرة .